ابن تيمية

504

مجموعة الفتاوى

تُقْصَدُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّكْبِيرِ لَا الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْمَسَاجِدِ فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي تُقْصَدُ لِلصَّلَاةِ وَمَا ثَمَّ مَكَانٌ يُقْصَدُ بِعَيْنِهِ إلَّا الْمَسَاجِدُ وَالْمَشَاعِرُ وَفِيهَا الصَّلَاةُ وَالنُّسُكُ قَالَ تَعَالَى : { قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } { لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ } وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِن البِقَاعِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ قَصْدُ بُقْعَةٍ بِعَيْنِهَا لِلصَّلَاةِ وَلَا الدُّعَاءِ وَلَا الذِّكْرِ إذْ لَمْ يَأْتِ فِي شَرْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَصْدُهَا لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَسْكَناً لِنَبِيِّ أَوْ مَنْزِلاً أَوْ مَمَرّاً . فَإِنَّ الدِّينَ أَصْلُهُ مُتَابَعَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُوَافَقَتُهُ بِفِعْلِ مَا أَمَرَنَا بِهِ وَشَرَعَهُ لَنَا وَسَنَّهُ لَنَا وَنَقْتَدِي بِهِ فِي أَفْعَالِهِ الَّتِي شَرَعَ لَنَا الِاقْتِدَاءَ بِهِ فِيهَا بِخِلَافِ مَا كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ . فَأَمَّا الْفِعْلُ الَّذِي لَمْ يَشْرَعْهُ هُوَ لَنَا وَلَا أَمَرَنَا بِهِ وَلَا فَعَلَهُ فِعْلاً سُنَّ لَنَا أَنَّ نَتَأَسَّى بِهِ فِيهِ فَهَذَا لَيْسَ مِن العِبَادَاتِ وَالْقُرَبِ فَاِتِّخَاذُ هَذَا قُرْبَةً مُخَالَفَةٌ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمَا فَعَلَهُ مِن المُبَاحَاتِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّعَبُّدِ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَفْعَلَهُ مُبَاحاً كَمَا فَعَلَهُ مُبَاحاً ؛ وَلَكِنْ هَلْ يُشْرَعُ لَنَا أَنْ نَجْعَلَهُ عِبَادَةً وَقُرْبَةً ؟ فِيهِ قَوْلَانِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَأَكْثَرُ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّا لَا نَجْعَلُهُ عِبَادَةً وَقُرْبَةً بَلْ نَتَّبِعُهُ فِيهِ ؛ فَإِنْ فَعَلَهُ مُبَاحاً فَعَلْنَاهُ مُبَاحاً وَإِنْ فَعَلَهُ قُرْبَةً فَعَلْنَاهُ قُرْبَةً . وَمَنْ جَعَلَهُ عِبَادَةً رَأَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ التَّأَسِّي بِهِ وَالتَّشَبُّهِ بِهِ وَرَأَى أَنَّ فِي ذَلِكَ بَرَكَةً لِكَوْنِهِ مُخْتَصّاً بِهِ نَوْعَ اخْتِصَاصٍ .